علي أكبر السيفي المازندراني

37

دروس تمهيدية في القواعد التفسيرية

باختلاف الأزمان بلحاظ خصوصيات أهلها ، ومقدار ما قدّر لهم من العقل والكمال وحاجتهم إلى ما يهديهم ويرشدهم إلى الفلاح قدر استعدادهم . فلأجل ذلك ربما يكون جعل حكم للبشر ذا مصلحة إلى زمان معين ، دون ما بعده من الأزمنة المتأخرة المقتضية لمصالح أخرى ، فيرتفع أمد ذلك الحكم الأوّل ، ويجعل لمن بعدهم حكم آخر حسب ما تقتضيه مصالحهم . وكل ذلك معلوم لذات الباري قبل تشريع الحكم الناسخ والمنسوخ كليهما . إن قلت : إذا كان وجه انتهاء أمد الآية المنسوخة انتفاء مصلحة نزولها ، وكانت المصلحة في نزولها مراعاة مقدار فهم الناس واستعدادهم وخصوصياتهم الثقافية ، فلا بد من انتفاء مصلحة نزول جميع القرآن أو لا أقل من أكثره في زماننا هذا . وذلك لأنّ هذه المصلحة إذا انتفت في طول عشرين أو ثلاثين سنة من بدء نزول الآيات المنسوخة إلى زمان نسخها ، فتنتفي بالفحوى بعد مضيّ القرون المتمادية . قلت : لا تنحصر المصلحة في ذلك ، بل ربما كانت في إنزال الآيات المنسوخة مصالح مختصة بتلك المدّة المحدودة ، مثل إبطال دسائس المنافقين ودفع مفاسد أخرى محتملة أو مماشاة الناس فيها كان الاتيان به أسهل وأرفق بهم وغير ذلك من مصالح مختصة بتلك المدّة . وأمّا ساير الآيات غير المنسوخة - الأخلاقية والاعتقادية والفقهية وغيرها - لا اختصاص لما في نزولها من المصالح بقوم دون قوم ولا وقت دون وقت ، كما هو واضح لمن له أدنى تأمل وانصاف . ومن هنا ترتفع شبهة البداء المستحيل التي استشكل بها اليهود والنصارى ؛ بدعوى استلزام النسخ تطرّق الجهل إلى ذات الباري تعالى . وجه الارتفاع أنّه ثبت بهذا البيان أنّ النسخ في الحقيقة مقتضى حكمته تعالى ، لا لجهله